سقطت الرصاصة الأولى في ساحة الكنيسة، لكن الهدف كان أبعد من ذلك؛ فلعل الغاية كانت إصابة الأردنيين في ثقتهم بعضهم ببعض، وتحويل الفاجعة إلى شرخ بين أبناء الوطن الواحد. غير أن الأردنيين أدركوا ذلك سريعًا، فتحوّل الأردن، من شماله إلى جنوبه، إلى بيت عزاء واحد؛ فالمصاب مصابنا جميعًا، والشهداء آباؤنا وأبناؤنا، وعائلاتهم عائلاتنا.
غير أن الحزن، مهما كان صادقًا، لا يكفي وحده. فالأجهزة الأمنية تلاحق المنفذين، وهذه مهمتها، لكن الفكر المتطرف لا يُهزم بالمداهمات وحدها؛ إذ قد يبدأ بكلمة، ثم يتحول إلى قناعة تنتهي بحمل السلاح. وبين الكلمة والسلاح مساحات واسعة، إن لم تملأها الثقافة والتعليم والفرص، ملأها خطاب الكراهية.
وقد وجّه الملك الحكومة إلى مراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتكثيف الجهود لتجفيف منابعه. وهذا توجيه يذكّرنا بأن المواجهة طويلة النفس، وأن الجميع شركاء فيها.
وهنا يأتي دورنا نحن الشباب؛ فنحن أول من يصل إليه خطاب التحريض، وأول من يستطيع كشف زيفه. لكن المواجهة لا تكون بالشعارات ولا ببيانات الاستنكار وحدها، وإنما ببناء ثقافي عميق نبدأه بأنفسنا قبل أن نطالب به غيرنا.
أن نقرأ، وأن نتوسع في القراءة، وألا نكتفي بصوت واحد، أو كتاب واحد، أو منصة واحدة. وأن ندافع عن القراءة بوصفها تدريبًا على رؤية الإنسان بعيدًا عن التصنيفات الضيقة، ومقاومة الأفكار الجاهزة، وامتلاك الشجاعة لطرح الأسئلة.
وعلينا أن نعزز في أنفسنا وفي أطفالنا ثقافة القراءة والاطلاع، وأن نقرأ التاريخ لنفهم كيف عاشت هذه الأرض، على امتداد قرون، بتعدد أديانها ومذاهبها، وأن نقرأ الأدب لنرى الإنسان خلف هويته. فمن قرأ لمحمود درويش وغسان كنفاني وعبد الرحمن منيف وعرار، ومن جالس الجاحظ وابن خلدون وطه حسين ونجيب محفوظ، تعلّم أن الحقيقة أوسع من أي جملة تُلقى بنبرة قاطعة، وأن الإنسان لا يُختزل في دينه أو طائفته.
وأذكر هنا حادثة طعن نجيب محفوظ عام 1994 على يد شاب متأثر بفكر متطرف، في محاولة لاغتياله. وقد أُثيرت، في سياق الحديث عن الحادثة، مسألة جهل المعتدي بأعمال محفوظ الأدبية. وتُروى أيضًا حكاية إصرار محفوظ، خلال تلقيه العلاج في المستشفى، على إهداء المعتدي بعض كتبه، في دلالة على إيمانه بدور الثقافة في مواجهة التطرف. وتُنسب إليه عبارة مفادها أن المجتمع لن يصلح إلا بالثقافة، غير أن هذه الرواية والعبارة المنسوبة إليه تحتاجان إلى التوثيق قبل اعتمادهما بصيغتهما الحرفية.
فالقراءة الواسعة تُنتج عقلًا يسأل: من قال هذا؟ ولماذا الآن؟ ولمصلحة من؟ وهذه الأسئلة وحدها كفيلة بإضعاف خطاب الكراهية قبل أن يستقر في القلب. فالمتطرف يخشى القارئ الذي يقارن ويتحقق ويتأنّى، ويرتاح إلى من يتلقى الأفكار الجاهزة دون تفكير.
لقد جرحنا الرصاص في حمود، لكن الرد الأعمق على العنف أن ينشأ في هذا الوطن جيل متعلم، يقرأ كثيرًا، ويسأل بشجاعة، ويحب بوعي؛ جيل لا يجد التطرف في نفوس أبنائه مكانًا يقيم فيه.
رحم الله شهداء الكرك، وشفى مصابيها، وحفظ الأردن بيتًا يتسع لجميع أبنائه.