يقلقني أن نرفض الإرهاب حين يقع، ثم نتسامح مع الكلام الذي يمهّد له حين يُقال أمامنا. نستنكر الجريمة، لكننا قد نسكت عن عبارة تجرّد الضحية من إنسانيتها، أو نضحك من نكتة تحتقر طائفة، أو نترك طفلًا يصف زميله بالكفر لأن أسرته تختلف عن أسرته. ثم نستغرب كيف يكبر بيننا من لا يرى للآخر حقًا في الحياة.
وأخشى على الطفل الذي يسمع الكراهية بصوت أشخاص يحبهم ويثق بهم. يسمعها في البيت، وفي مجلس العائلة، ومن صديق، وعبر هاتفه، فيحفظها قبل أن يفهم معناها. وحين تتكرر على مسامعه، قد تصبح طريقته في الحكم على الناس. يعرف من ينبغي أن يكرهه قبل أن يعرف من هو، ويصدر حكمه على إنسان لم يجلس معه يومًا.
لهذا أرى أن مواجهة التطرف تحتاج إلى شجاعة داخل بيوتنا أيضًا؛ شجاعة مراجعة ما نقوله، وما نسمح بقوله أمام أبنائنا، وما نعيد نشره دون تفكير. علينا أن نتوقف عند الجملة التي تعلّم الاحتقار، وعند النبرة التي تجعل القسوة فضيلة، وعند الضحكة التي تكافئ الإهانة.
«هذا كافر»، «هؤلاء كلهم كفار»، «من ليس على مذهبنا ضال»، «نحن وحدنا أهل الحق»، «لا خير خارج منظمتنا»، «من لم ينضم إلينا فقد اختار الباطل». في مثل هذا الخطاب تُختصر حياة الإنسان في حكم يُلقى عليه، وتُمحى أعماله وأخلاقه، كأن المتحدث يعرف ما في القلوب ويملك سلطة على مصائر الخلق.
وحين تحتكر المنظمة المتطرفة الحقيقة، تصبح المرجع الوحيد الذي يحدد للإنسان من يحب ومن يكره، وماذا يسمع وماذا يرفض. يُمنح المنتمي إليها شهادة صلاح، ويصبح الابتعاد عنها تهمة تحتاج إلى دفاع. ومن أخطر ما في ذلك أن يطمئن الإنسان إلى صلاحه بمجرد انتمائه، فلا يعود يسأل نفسه عما يفعل.
كان اختلافه موجودًا طوال تلك السنوات. كان موجودًا حين فتح لنا بابه، وحين اطمأن على مريضنا، وحين أعاننا في ضيق، وحين شاركنا خبزه ووقته وهمومه. فكيف يصبح فجأة سببًا لإنكار فضله، أو التخلي عنه في محنته، أو الشماتة بمصابه؟ ماذا حدث لكل ما عرفناه عنه بأنفسنا حتى تهزمه عبارة تحريض سمعناها من شخص لا يعرفه؟
ما هذه القلوب التي تسودّ بالشماتة؟ أين الطيبة والرحمة؟ وما هذه الأخلاق التي لا تحنّ على موجوع، ولا تحزن لفقد، ولا تتعاطف مع أم تبكي طفلها؟ لا أستطيع أن أتقبل هذا التبلد، ولا هذا الشر واللؤم في التعامل مع ألم الناس. إن الشماتة بإنسان منكوب، والتلذذ بعجزه، ومحاولة منع الآخرين من مواساته، أمور تشعرني بالغثيان.
وأشد ما يؤلمني أن تُقال هذه العبارات بنبرة رضا عن النفس، كأن صاحبها أحسن التصرف حين أغلق قلبه. أي فضيلة في أن ترى من عرفتَ طيبته يتألم، ثم تبحث عن ذريعة كي تتخلى عنه؟ وأي وفاء يبقى إن كانت سنوات العِشرة كلها تسقط عند أول تحريض؟
أريد لأبنائنا أن يحفظوا للناس مودتهم وحقوقهم وفضلهم، وأن يفهموا أن اختلاف الدين لا يمحو المحبة، ولا يبطل حق الجار، ولا يُسقط واجب الوفاء. ومن وقف إلى جانبنا يستحق أن نتذكر موقفه، ومن عاش معنا بأمان يستحق أن يجد عندنا الأمان. لن أقبل أن نربّي طفلًا على التنكر لمن أحبه، أو أن نعلّمه أن قسوة القلب دليل على صدق الإيمان.
الجهل الذي يقلقني هو هذا الإصرار على عدم المعرفة، ثم التحدث بثقة عن الناس وأديانهم ونياتهم. يقول صاحبه: «أنا أعرفهم»، فإذا سألته عمّن عرفه منهم، أعاد حكاية سمعها. ويقول: «الجميع يعرف حقيقتهم»، كأن تكرار الاتهام يغني عن الدليل.... يتبع الجزء الثاني والاخير