في أجواء امتزجت فيها الدموع بالزغاريد، وجسّدت مشاعر الحزن والتضامن، شيّع آلاف الأردنيين شهداء بلدة حمود في الكرك، في لوحة وطنية مؤثرة عكست عمق الروابط الراسخة وتماسك النسيج المجتمعي، الذي كان وسيبقى أصلب من أن تخترقه سموم الفتنة أو تطاله يد الغدر.
وفي باحة كنيسة الروم الأرثوذكس، التي احتضنت جثامين الشهداء، غابت الفوارق، وعلت الهوية الإنسانية الواحدة، وأثبت الجميع أن المصاب واحد والدم واحد، وأن الفاجعة زادت أبناء الوطن إصرارًا على محاربة الإرهاب والفكر الظلامي.
وقال أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة، الدكتور حسين محادين، إن الإرهابيين أخفقوا، كعادتهم الذميمة، في استهداف الوطن وأهله، بفضل موقف المواطنين، ولا سيما أهالي الشهداء، مؤكدًا أن كل الأردن أهل لهؤلاء الشهداء، الذين أثبتوا بموقفهم الواضح ارتباطهم بمجتمعهم وإيمانهم به، وبعلاقات الأخوة التي تجمع أبناءه.
وأضاف محادين أنه ليس هناك أبلغ من موقف أهل الكرك والأردن، الذين تدافعوا بكل أنفة للتبرع بالدم، ليمتزج الدم الأردني تحت مظلة المواطنة والتقدير للشهادة والشهداء، في وطننا الغالي الذي بُني عبر التاريخ بالعمل والإنجازات المتنوعة والتشاركية في مختلف مناحي الحياة.
وأشار محادين إلى أن الأردن، بوزنه وتأثيره المتميزين على المستوى العالمي، أثار حفيظة هؤلاء الحاقدين، ليثبت مرة تلو أخرى أنه صلب بوحدته الوطنية، وتآخي أبنائه، وانحيازهم المطلق إلى قيم الحياة والعلم والحوار بالتي هي أحسن. وختم بالقول: «ليندب هؤلاء الإرهابيون حظوظهم».
وقالت مساعد الأمين العام لوزارة الثقافة، مديرة ثقافة الكرك، عروبة الشمايلة، إن ما شهدته بلدة حمود وجع أصابنا جميعًا، فخسارة أي روح أردنية هي خسارة للوطن بأكمله، وإن الألم الذي تعيشه حمود اليوم هو ألم كل بيت أردني، وكل قلب يؤمن بأن الإنسان وكرامته وحياته هي القيمة الأعلى.
وأضافت أن الكرك عُرفت، عبر تاريخها، بأنها نموذج أصيل للوحدة الوطنية؛ فالجار أهل، والبيت بيت، والفرح فرح الجميع، والحزن لا يقف عند عتبة منزل، بل يمتد إلى قلوبنا جميعًا.
وأشارت إلى أن النسيج الوطني والإنساني هو إرث يعتز به الأردنيون، ولن يسمحوا لأي فعل إجرامي بأن ينال منه أو يزرع الخوف والفرقة بين أبناء المجتمع الواحد.
وتابعت الشمايلة: «من موقعي الثقافي، أؤمن بأن مسؤوليتنا اليوم تتجاوز التعبير عن الحزن والإدانة؛ فنحن أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية تتمثل في تعزيز قيم التسامح والانتماء وقبول الآخر، وتربية أجيالنا على احترام الحياة، وصون كرامة الإنسان، ورفض كل أشكال التطرف والكراهية».
وأضافت أن الثقافة ليست نشاطًا يُمارس في أوقات الفرح فحسب، بل هي موقف أخلاقي وإنساني يظهر بوضوح في اللحظات الصعبة، حين نتمسك بقيمنا ونحمي مجتمعنا من كل ما يهدده.
وختمت بالقول: «نقف اليوم إلى جانب أهلنا في حمود، بقلوب يعتصرها الألم، وبإيمان راسخ بأن الأردن سيبقى أقوى بوحدة أبنائه وتماسكهم، وأن الكرك ستبقى كما عرفناها، أرضًا للمحبة والكرامة والمواقف الوطنية الأصيلة».
وقال علي المجالي إن المعركة اليوم هي معركة وعي، موضحًا أن رصاص الإرهاب الجبان الذي استهدف بلدة حمود أصاب قلب كل أردني، ما يستدعي الوقوف صفًا واحدًا لمواجهة الفكر المتطرف، والتركيز على التحصين الفكري في عصر الفضاء الرقمي، ضمن مسؤولية تضامنية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية، إلى جانب الالتفاف حول القيادة الهاشمية الحكيمة والجيش العربي والأجهزة الأمنية.
وأضاف المجالي أن الإسلام حثّ على حرمة النفس البشرية، وأضفى عليها قداسة، باعتبار حفظ النفس أحد مقاصد الشرع، مشيرًا إلى أن ذوي المتوفين حسبهم شرفًا أن أبناءهم غادروا الحياة وهم في موقع الدفاع عن الوطن، وأن دماءهم ستظل شاهدًا على جرائم من وصفهم بشذاذ الآفاق.
وقال عضو نقابة الصيادلة، الدكتور يوسف أبو ملوح، إن الحدث الإجرامي البشع الذي ضرب بلدة حمود والكرك عمومًا آلم الجميع، مؤكدًا أن الأردن، بمسلميه ومسيحييه، سيبقى أسرة واحدة ونسيجًا وطنيًا متماسكًا وصامدًا في وجه كل محاولات الإرهاب والفتنة والتطرف.
وشدد على أن أبناء الكرك يرفضون مصطلح «التعايش»، لأنهم يعيشون وحدة الحال في السراء والضراء.
وقالت الشابة رحمة أبو غرة: «من عرس عمّان إلى جنازة حمود، تبدّلت السنوات والرايات والأيديولوجيات، لكن الدم الأردني ظل مستهدفًا، دون أن يسأل القاتل عن دين صاحبه أو معتقده أو بدلته العسكرية».
وأضافت: «استهدفوا الأردنيين في أفراحهم، وفي مواقعهم العسكرية، وفي دور عبادتهم، وبين أهلهم وناسهم، ولم تردعهم حرمة المصحف، ولا قداسة الإنسان، ولا وجع أم، ولا دمعة أب، ولا حرمة جنازة».
وأشارت إلى أن الإرهابيين أرادوا، في كل مرة، أن يخاف الأردني من أخيه، وأن يرى في اختلافه سببًا للفرقة، لكنهم لم يفهموا أن الأردن ليس مجرد حدود على خارطة.
وأكدت: «من عرس عمّان إلى جنازة حمود، يبقى الدرس الذي يحاولون عبثًا طمسه: دم الأردني واحد، ووجع الأردني واحد، وهذا الوطن لا يُقسّم على أساس الدين، ولا تفرّقه رصاصة».
وقال رئيس لجنة مجلس محافظة البلقاء، زياد السمردلي، إن وجع أهل حمود والكرك هو وجع كل أردني، مؤكدًا أن هذه الجريمة النكراء غريبة عن المجتمع الأردني، الذي يتسم بالوعي والاعتدال، اقتداءً بقيادته الهاشمية ونهجها الرشيد.
وأضاف: «كلنا ثقة بقواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية لكشف الإرهابيين وتقديمهم إلى العدالة، ليكونوا عبرة لكل من يحاول زعزعة أمن الوطن واستقراره، الذي سيبقى عصيًا منيعًا في وجه المارقين والإرهابيين».
وقال المواطنان خازر الكراليت ومحمد الضمور إن ما شهدته بلدة حمود جريمة كارثية أدمت القلوب، وغادرتنا على إثرها أرواح طاهرة، تاركة خلفها صدى ترتيلة لم تكتمل ودعاءً ارتفع إلى السماء بقلوب مسلمة ومسيحية نابضة بالمحبة.
وأشارا إلى أن هذه الفئة لن تكون سببًا في تفتيت اللحمة الوطنية، التي تجلّت في الحضور الكبير للمسلمين خلال تشييع جثامين الشهداء، والذي فاق، بحسب قولهما، حجم الحضور المسيحي.
ودعا الكراليت والضمور إلى ضرورة اتخاذ حزمة من التدابير الفكرية والشرعية والمؤسسية والأسرية والإعلامية لمواجهة الفكر التكفيري، وحماية المجتمع والأجيال من سمومه، إلى جانب مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي وتفعيل قانون الجرائم الإلكترونية.
وقال عمر الهلسة، أحد المصابين في حادثة بلدة حمود، إن ما حدث عمل إجرامي لم يعهده الأردن عبر تاريخه، مؤكدًا أن هذا الفعل الجبان لن يزيد الأردنيين إلا تمسكًا بوحدتهم الوطنية وقيمهم الأردنية الأصيلة، وأنهم لن يسمحوا بأي محاولة لزعزعة لحمتهم القائمة على التسامح واحترام الأديان.
وأضاف أن ما شهده مراسم تشييع الشهداء كان بمثابة عرس وطني، تجلّت فيه أسمى صور التلاحم والوحدة الوطنية، إذ اجتمع آلاف الأردنيين من المسلمين والمسيحيين، مؤكدين رفضهم القاطع للتطرف والإرهاب.
وقال خليل الهلسة، أحد الأشخاص الذين كانوا في الكنيسة لحظة وقوع الحادثة الإرهابية، إنه تمكّن من إغلاق بوابتها، ما حال دون وقوع مزيد من الضحايا. وأضاف أن هول الفاجعة لا يزال حاضرًا، وأنهم لم يتوقعوا وقوع مثل هذا الحادث يومًا، مؤكدًا أن هبّة المواطنين من الكرك ومختلف محافظات المملكة للتبرع بالدم لإنقاذ الجرحى، والحضور الغفير للمشيعين، خفّفا من ألم الفراق.
وقال المهندس عيسى هلسة، ابن عم الفقيد إيهاب هلسة وابن خال الفقيد مروان الخيطان، إن ما حدث يوم الجمعة في الكنيسة كان مجزرة بكل معنى الكلمة، مؤكدًا أنهم سيبقون يعيشون تفاصيلها بكل ألم وحرقة.
وأضاف أن ما خفف من مصابهم زيارة جلالة الملك للمصابين يوم وقوع الحادثة، إلى جانب التكاتف الوطني الرسمي والشعبي.