لقد فتحت الثورة المعلوماتية نوافذ العالم على مصاريعها، وأتاح الانفتاح الاقتصادي للناس أبوابًا واسعة من الاستهلاك، غير أنّ هذه النوافذ لم تُدخل الضوء وحده، بل أدخلت معها طوفانًا من المقارنات التي لا تنتهي؛ فأصبح المرء يرى حياة الآخرين أكثر مما يرى حاجاته، ويقيس نصيبه من الدنيا بما في أيدي سواه، حتى غدت المظاهر ميزانًا للقيمة، والمال لغةً للاعتراف، والامتلاك بديلًا عن الاستحقاق.
وهنا انتقل الجوع من المعدة إلى النفس، ومن طلب البقاء إلى طلب المكانة؛ فلم تعد الأزمة أزمة رغيف مفقود فحسب، بل أزمة إنسان أقنعه المجتمع بأنّ قيمته تُقاس بما يملك، لا بما يكون.
ولعلّ أشدّ وجوه هذه الأزمة إيلامًا أنّ السرقة، التي قد يلتمس الناس لبعض صورها القديمة عذرًا في ضرورة الجوع، أصبحت في بعض صورها المعاصرة تُرتكب لاقتناء هاتف أحدث، أو مجاراة مظهر أرقى، أو سدّ هوّة متوهَّمة بين المرء ومن حوله. وما أقسى أن يبيع الإنسان نزاهة يده ليشتري شيئًا يرفع صورته أمام الناس، ثم يعود إلى بيته غنيًّا بما سرق، فقيرًا بما فقد من نفسه!
وإذا تأمّلنا كثرة النزاعات والجرائم المتصلة بالأموال والممتلكات، تساءلنا عن موضع الأخلاق في سلّم اهتماماتنا: لماذا تستنفرنا الخسارة المادية، بينما تمرّ بعض الإهانات والاعتداءات على الكرامة دون الغضب ذاته؟ وليس معنى ذلك أنّ قضايا الأخلاق غابت عن المحاكم، أو أنّ كلّ خصومة مالية دليل فساد، بل إنّ تفاوت اهتمامنا بما يُمسّ من أموالنا وما يُمسّ من إنسانيتنا يستحقّ أن يكون موضع مساءلة.
أين تلك القيم التي ربّت عليها الأجيال أبناءها، حين كانت المروءة تاجًا لا تخلعه قلّة المال، وكانت الأمانة شرفًا لا تشتريه وفرة المال؟ لقد أخذت هذه المعاني تتراجع أمام ثقافة تُعلي من شأن المظاهر، حتى بات بعض الناس يحفظون أثمان الأشياء ويجهلون أقدارها، ويعرفون كيف يقتنون ما يشتهون، ولا يتعلّمون كيف يستحقّونه.
ومن هنا يتشكّل الصراع الطبقي في صورته الأشدّ خطورة؛ لا حين يتفاوت الناس في أرزاقهم فحسب، بل حين يتحوّل تفاوت المال إلى تفاوت متوهَّم في الكرامة. فيتعالى الغنيّ بما يملك، ويشعر الفقير أنّ ما لا يملكه ينتقص من قدره، فتُزرع بينهما بذور الحسد والاحتقار، وتُبنى جدران من الخصومة حيث كان ينبغي أن تُمدّ جسور الثقة والتكافل.
وليس العلاج أن ندعو الفقير إلى الرضا بالحرمان، أو أن نجعل القناعة ستارًا للظلم؛ فلكلّ إنسان حقّ في حياة كريمة، وعلى المجتمع واجب في إقامة العدل وتكافؤ الفرص. لكنّ إصلاح الاقتصاد، على ضرورته، لا يغني عن إصلاح النفوس، ولا عن تربية تعيد للأمانة هيبتها، وللمروءة مكانتها، وللإنسان قيمته التي لا تُقاس بما في جيبه.
إنّ المأساة ليست أن يجوع الإنسان إلى رغيف لا يجده، بل أن يجوع إلى اعتراف الناس حتى ينسى قيمة نفسه؛ وليست الكارثة أن تتفاوت الأرزاق، بل أن تتفاوت الكرامات في أعين أصحابها.
فالمجتمع الذي يُشبع البطون ولا يربّي الضمائر، إنما يشيّد بنيانه على أرض رخوة؛ لأنّ المال قد يشتري للمرء أفخر المظاهر، لكنه لا يشتري له مروءة افتقدها، ولا يعيد إليه ضميرًا باعه. وما لم نستعد ترتيب موازيننا، فسنظلّ نُحدّث هواتفنا، ونبدّل سياراتنا، ونطارد صور الرفاهية، فيما تتقادم أخلاقنا في صمت؛ حتى نغدو أغنياء بما نعرضه، فقراء بما نحن عليه.