يمكننا أن نسمي ما يشعر به ندمًا، وأن نفسر صلته بالذاكرة والذنب والفقد. غير أن هذه المعرفة تترك شيئًا لا نلمسه إلا حين نرافقه: كيف يستمر يوم عادي في الخارج بينما يضطرب عمر كامل في الداخل؟ من هذه المسافة بين معرفة الشعور والإحساس بوطأته تبدأ إحدى مهمات الأدب.
قد نعرف أسباب حنيننا إلى شخص آذانا، ثم نجد أيدينا تمتد إلى الهاتف للاتصال به. نتراجع، ونضعه جانبًا، ونعود بعد دقائق إلى النظر في شاشته. ما الذي ننتظره ونحن نعرف أن المكالمة قد تعيد إلينا الألم نفسه؟ تمنح الحكاية هذا التردد مساحة نرى فيها ما لا يكشفه تفسيره وحده.
لعلنا نشتاق إلى أنفسنا يوم كنا معه، أو إلى وعد صدّقناه، أو إلى حياة ظننا أنها ستكتمل. وقد نفهم ذلك كله ونظل مشتاقين. فالوعي لا يجعل الإنسان سيدًا على مشاعره؛ أحيانًا يضاعف ألمه، لأنه يرى الطريق ولا يجد في نفسه القدرة على سلوكه. تستطيع الحكاية أن تبقى معه في هذه اللحظة، وأن تحتمل تردده دون أن تدفعه إلى خاتمة مريحة لم ينضج لها بعد.
ليست النفس خطًا مستقيمًا. يمكن أن نحب إنسانًا ونغضب منه، وأن نسعد بنجاحه ونشعر بوخزة الغيرة، وأن نختار الصواب ونحن نأسف لما فوّت علينا من منفعة. لا تبطل هذه المشاعر بعضها بعضًا، ولا تعفينا معرفتها من مسؤولية الاختيار. إنها تكشف مقدار المشقة التي قد تسبق فعلًا يبدو لمن يراه من الخارج سهلًا وبديهيًا. والأدب يعيد إلى الفعل تلك المشقة التي تختفي من صورته النهائية.
في الحكايات التي تبقى معنا، نعرف الإنسان من أشياء قد يهملها الحكم السريع: رسالة كتبها ولم يرسلها، ضحكة بالغ فيها ليخفي ارتباكه، يد ترددت قبل أن تطرق بابًا. تتجمع التفاصيل حتى تصبح للشخصية حياة تتجاوز الصفة التي ألصقناها بها أول الأمر. من حسبناه قاسيًا قد يخاف إظهار حاجته، ومن رأيناه كريمًا قد يطلب بكرمه اعترافًا لم ينله. تظل القسوة قسوة، ويبقى للعطاء أثره، لكننا نصبح أقل اطمئنانًا إلى قدرتنا على اختصار إنسان في صفة.
الرواية تخلع عنك رداء القاضي، وتلبسك رداء المتهم. تجعلك تسمع السؤال من الجهة التي يُوجَّه إليها، وتشعر بثقل الإجابة حين تكون حياتك كلها خلفها. وقد تجد في أعذار الشخصية شيئًا من أعذارك، وفي محاولتها إخفاء ضعفها حركة تعرفها جيدًا. ثم تعيدك إلى من وقع عليه الأذى، فتسمع رواية أخرى للحادثة نفسها. وربما كانت الجملة التي نسيها أحدهما سريعًا هي التي ظل الآخر يحملها سنوات.
فالفهم لا يوجب المسامحة، ومعرفة الجرح لا تمنح صاحبه حق جرح الآخرين.
وتزداد المسألة تعقيدًا حين يكون المؤذي قادرًا على رواية قصته ببلاغة، بينما لا يملك المتضرر كلمات تدافع عنه. قد يأسرنا صوت الشخصية حتى نتبنى أعذارها من غير أن نشعر. نتذكر طفولتها القاسية، ونردد عباراتها، ونمر سريعًا على شخص ظهر في صفحات قليلة ليتلقى نتيجة أفعالها. هنا يجدر بنا أن نتوقف ماذا لو رُويت الحكاية من غرفته هو؟ ماذا سنرى مما غاب عنا، وأي عذر سيظل مقنعًا حين نسمعه من جوار من دفع ثمنه؟
نعود إلى الرجل الذي يعبر الشارع. لا نعرف إن كان سيجد سبيلًا إلى إصلاح شيء، أو سيحمل ندمه بقية يومه ويصمت. وربما لا تمنحنا الحكاية نهاية تطمئننا عليه. لكنها تجعلنا نرى في بطء خطوته ما لم نكن نراه من قبل. وحين نصادف بعد ذلك عابرًا شاردًا يتأخر عند الإشارة، قد نمهله لحظة قبل أن نتبرم. فلعل صباحه يحمل ما لا يظهر على وجهه، ولعلنا نحن أيضًا عبرنا يومًا شارعًا مشمسًا بمثل ذلك الثقل.