Skip to content
Amman —

حين تتحول السفارات إلى جسور لصناعة المستقبل

وزير الخارجية وشؤون المغتربين،معالي السيد أيمن الصفدي

أضع بين أيديكم مقترحاً يستحق الدراسة، عنوانه أن تكون لكل سفارة أردنية في الخارج خطة سنوية متكاملة للتواصل مع أبناء الجالية، وسجلّ للكفاءات والخبرات، وآلية لربط الأردنيين في الخارج بالفرص الوطنية، ومؤشر أداء يقيس الأثر الذي يتحقق من هذه الجهود.

فالسفارات والقنصليات، مع أهمية دورها الأصيل في إنجاز المعاملات القنصلية وإصدار الوثائق وتصديقها، تمتلك مساحة أوسع للعطاء، بحكم موقعها وعلاقاتها ومعرفتها بالمجتمعات التي تعمل فيها. وهي، إلى جانب دورها الدبلوماسي والقنصلي، قادرة على الإسهام في بناء علاقات مستدامة مع الجاليات الأردنية، وتعزيز مشاركتها في مسيرة الوطن.

إن الأردنيين في الخارج ليسوا مجرد جاليات تتطلع إلى خدمات قنصلية؛ إنهم رصيد وطني من الكفاءات العلمية والمهنية، ورجال الأعمال والمستثمرين، وأصحاب المبادرات والعلاقات الدولية. وفي هذه الطاقات فرص تستحق أن تُكتشف، وتُنظَّم، وتُربط باحتياجات الأردن وأولوياته.

ومن هنا، أقترح إطلاق مبادرة مؤسسية تحت عنوان "سفاراتنا جسور الوطن"، تتبناها وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، وتُنفّذ تدريجياً وفق خصوصية كل دولة وحجم الجالية فيها.

تقوم المبادرة على إعداد سجل اختياري ومحدّث للكفاءات الأردنية في الخارج، وتنظيم لقاءات دورية مع أبناء الجالية، وتعزيز التنسيق مع الأندية والجمعيات والروابط الأردنية، بما يوحّد الجهود ويحترم استقلالية هذه المؤسسات ودورها المجتمعي.

كما تتيح المبادرة وضع برامج للتعريف بالسياحة الأردنية، والترويج للفرص التعليمية والاستثمارية بالتنسيق مع الجهات المختصة، وربط رجال الأعمال والمستثمرين الأردنيين في الخارج بالمشروعات والفرص المتاحة في المملكة، مع إنشاء قنوات واضحة لمتابعة المقترحات وتحويل الممكن منها إلى مبادرات عملية، ضمن القوانين والأطر الدبلوماسية المعتمدة.

وكيلا تبقى المبادرة عنواناً جميلاً على الورق، فإن نجاحها يتطلب خطة سنوية، ومسؤوليات واضحة، ومؤشرات أداء تقيس استمرارية التواصل، ونوعية الشراكات، والفرص التي تحققت، والأثر الذي انعكس على الوطن وأبنائه.

لسنا أمام دعوة لتغيير وظيفة السفارات، بل أمام فرصة لتعظيم أثرها، والانتقال من مفهوم الخدمة عند الحاجة إلى مفهوم الشراكة المستدامة؛ ومن الاكتفاء بإنجاز المعاملة إلى فتح آفاق المبادرة، واستثمار الكفاءات، وتعزيز الصلة بين المغترب ووطنه.

ولا نحتاج إلى أن ننتظر تجارب الآخرين كي نبدأ؛ فالأردن بما يمتلكه من كفاءات وطنية، ومؤسسات راسخة، وإرادة للتطوير، قادر على صياغة نموذج أردني متقدم، يستفيد من الخبرات الدولية، وينطلق من خصوصيته، ويقدّم تجربة جديرة بأن تُدرس وتُلهم الآخرين.

إن المواطن الأردني في الخارج لا يحمل جواز سفره وحده؛ بل يحمل معه اسم الأردن وصورته وقيمه، ويستطيع، متى توافرت له قنوات التواصل والمشاركة، أن يكون شريكاً حقيقياً في تقدّم وطنه.

نريد سفاراتٍ لا تكتفي بأن تظل أبوابها مفتوحة أمام المواطن، بل تفتح أمامه أبواب المشاركة، وأمام الوطن أبواب الفرص.

فالأوطان لا تبقى قريبة من أبنائها بالمسافة، بل بالعلاقة؛ ولا تستثمر في أبنائها بمجرد استدعاء خبراتهم، بل بإيجاد المسارات التي تتيح لهم توظيفها في خدمة مستقبلها.

وهنا تبدأ الحكاية: أردنٌ لا ينتظر النموذج من الآخرين، بل يصنع نموذجه بنفسه، ويجعل من سفاراته جسوراً للثقة، ومن مغتربيه شركاء في التنمية، ومن انتمائهم الوطني قوةً تصنع المستقبل.

Know more about this story?Send us a tip

Al Rai

AI

Ask about this report — answers stay grounded in its text.

Answers are experimental and grounded in Al Rai reporting. Each question uses 2 credits.