فلطالما قُرئ الأردن من خلال جغرافيته، كيف لا وهو الذي يقع في قلب إقليم ملتهب مضطرب، مما يجعله يتفاعل مع الأزمات والتحولات في الدول المحيطة بصورة مباشرة، إلا أن هذه القراءة على أهميتها لم تعد كافية لفهم طبيعة التداعيات التي تطاله، وفي هذا السياق تأتي أهمية مفهوم الكونكتوغرافيا الذي يصور العالم على أنه شبكة من التدفقات والروابط التي تتضمن التجارة والطاقة والنقل والأمن والاستثمار وغيرها، وليس مجرد مجموعة من الدول والحدود فَحَسب. أي أن المشكلة لم تعد تكمن في أن الأردن يقبع في جوار الأزمات، بل في أن الأزمات أصبحت قادرة على الوصول إليه حتى وإن لم تحدث في جواره المباشر.
فآثار الأزمة في سوريا لم تنحصر داخل سوريا بل امتدت إلى الأردن، كما لم يحتفظ العراق بتَبِعات أزماته داخل حدوده، ولا يمكن النظر إلى القضية الفلسطينية بالنسبة للأردن على أنها مجرد أزمة تحدث في الجوار الغربي، فهنا تتداخل الجغرافيا والتاريخ والأمن والنسيج الاجتماعي بصورة تجعلها تتصل بشكل مباشر مع حسابات الأردن السياسية والأمنية، لا مجرد تداعيات تُستَورد من الجوار، كما ويقدم مشهد التفاعل مع ما يحدث في إيران أوضح الصور في تجاوز التداعيات للحدود الجغرافية عبر مسارات مختلفة؛ إذ وجد الأردن نفسه أمام صراع لا يدور على أرضه، ولا يرغب أصلا في أن يكون طرفا فيه، إلا أنه لم يكن في مأمن من تبعاته، سواء أكان ذلك من خلال انتهاك مجاله الجوي بصواريخ إيرانية بما يهدد أمنه ويمس سيادته، أو من خلال ما يمليه تأزّم الأوضاع في مضيق هرمز من ارتدادات على حركة الملاحة البحرية في العقبة، وما يترتب على ذلك من آثار على حركة التجارة وسلاسل التوريد، فضلا عن السياحة وحركة الطيران ومناخ الاستثمار. وبالتالي، فإن الأمثلة من سوريا والعراق وفلسطين إلى إيران، تشي بأن تأثير الجغرافيا في الحالة الأردنية لا يقتصر على حدود الدول المجاورة، إذ لا تحْول المسافة دون انتقال التداعيات، فبعض الأزمات تنفذ مفاعيلها للعمق الأردني بحكم القرب الجغرافي، فيما تخترق أزمات أخرى المسافات لتصل آثارها إلى الأردن عبر الروابط الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تربطه بمحيطه الأوسع.

