Skip to content
Amman —

خطاب الملك.. الأردن لا ينتظر هدوء المنطقة ليبني مستقبله

الجغرافيا بالنسبة للأردن كانت دائماً سلاحاً ذا حدين. فنحن قريبون من بؤر الصراع، ونتأثر بما يحدث حولنا في التجارة والطاقة والاستثمار والمياه وحركة الحدود. وقد أشار جلالة الملك إلى أن حرب إيران أظهرت مدى سرعة انتقال أثر عدم الاستقرار إلى التجارة والاستثمار وحياة الناس خارج المنطقة. لكن الجغرافيا نفسها التي تنقل إلينا المخاطر تمنحنا أيضاً فرصة؛ فالأردن يقع بين الخليج والعراق وسوريا وفلسطين، وله منفذ بحري عبر العقبة، ويمكنه أن يكون نقطة ربط بين الخليج والبحر المتوسط.

ومن هنا أعتقد أن أحد أهم ما جاء في الخطاب هو الانتقال من الحديث عن أزمات المنطقة إلى الحديث عن الأردن الذي نريد بناءه داخل هذه المنطقة. جلالة الملك تحدث عن تعزيز الروابط من الخليج إلى البحر المتوسط، وعن الأردن كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا. والفرق كبير بين أن نكون دولة تمر بجانبها حركة الاقتصاد الإقليمي، وبين أن نصبح جزءاً أساسياً منها. المطلوب أن تتحول الجغرافيا إلى مصانع وخدمات لوجستية وتكنولوجيا وصادرات واستثمارات وفرص عمل.

لكن الاقتصاد لا يعمل بمعزل عن الأمن. عندما يؤكد جلالة الملك أن أي تهديد لحدودنا الشمالية أو لأمننا المائي هو تهديد للأمن الوطني، فإن لذلك بعداً اقتصادياً مباشراً أيضاً. المستثمر يحتاج إلى دولة آمنة، والمصنع يحتاج إلى طاقة ومياه مستقرة، والتجارة تحتاج إلى حدود وممرات تعمل، والسياحة تحتاج إلى الاستقرار. لذلك فإن ما ينفق على حماية الحدود والمياه ومواجهة الإرهاب والمخدرات لا يمكن النظر إليه بعيداً عن حماية الاقتصاد ومكتسباته.

وفي الجانب السياسي، بقيت فلسطين حاضرة في قلب الخطاب، لكن الرسالة تجاوزت إعادة تأكيد الموقف الأردني المعروف. التحذير كان من كلفة ترك الأزمات تتراكم حتى يتحول المؤقت إلى دائم. وهذا درس اقتصادي أيضاً؛ فالصراعات غير المحلولة لا تبقى في الخرائط السياسية، وإنما تصل فاتورتها إلى أسعار الغذاء والطاقة والتأمين والنقل والاستثمار، وقد تصل إلى بيت المواطن على بعد آلاف الكيلومترات. ولهذا فإن السلام والاستقرار ليسا مطلبين سياسيين وإنسانيين فقط، بل شرطين للتنمية في المنطقة.

ربما لهذا كانت العبارة الأهم بالنسبة لي في الخطاب هي أن الأردن يسعى إلى بناء نموذج مختلف: مبدئي، منفتح وثابت. ففي عالم سريع التقلب، تصبح الموثوقية نفسها قيمة سياسية واقتصادية. الدولة التي تحافظ على مواقفها، وتحمي أمنها، وتبني شراكاتها، وتبقى قادرة على الحوار والعمل مع الآخرين، تمتلك رصيداً لا يظهر دائماً في المؤشرات الاقتصادية، لكنه يؤثر في قرار المستثمر والشريك والدولة التي تبحث عمن يمكن الاعتماد عليه.

الأردن لا يستطيع تغيير موقعه على الخريطة، ولا يستطيع منع الأزمات من الاندلاع حوله، لكنه يستطيع أن يقرر كيف يتعامل مع هذه الجغرافيا. وهذا ما قرأته في خطاب الملك: أن نحمي حدودنا ومياهنا ومصالحنا، وأن نبقى ثابتين في فلسطين ومبادئنا، لكن من دون أن ننشغل بأزمات اليوم إلى درجة نؤجل معها اقتصاد الغد. فالدول لا تختار دائماً الظروف المحيطة بها، لكنها تستطيع أن تختار ماذا تبني وسط هذه الظروف. وهنا تحديداً تكمن قصة الأردن والفرصة التي أمامه.

Know more about this story?Send us a tip

Al Rai

AI

Ask about this report — answers stay grounded in its text.

Answers are experimental and grounded in Al Rai reporting. Each question uses 2 credits.