يمر الشرق الأوسط بمرحلة من السيولة الاستراتيجية، أي مرحلة تتبدل فيها موازين القوى بسرعة وتفقد المعادلات ثباتها بعد كل جولة. وتعجز القوة العسكرية وحدها عن تثبيت هذه المعادلات، فتتقدم الجغرافيا الاقتصادية إلى صدارة التنافس الإقليمي والدولي.
امتد أثر المواجهة إلى الاقتصاد العالمي عبر الممرات الحيوية. فاضطراب المرور في هرمز وباب المندب ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وكلفة الشحن والتأمين، ويمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية.
ويعكس ذلك صعود "اقتصاد المخاطر"، إذ يملك من يستطيع خلق حالة من عدم اليقين تأثيراً يفوق حجمه العسكري. فرفع كلفة التجارة أو إرباك الملاحة يحقق مكاسب سياسية واستراتيجية دون مواجهة تقليدية واسعة، وهذا يفسر محدودية الردع التقليدي في كثير من الحالات أمام أدوات الحرب غير المتماثلة.
وتسعى جهات إقليمية ودولية إلى مسارات بديلة، كخط الأنابيب السعودي شرق- غرب نحو ينبع وخط حبشان- الفجيرة الإماراتي، إضافة إلى تطوير الموانئ والممرات البرية. وتخفف هذه المسارات الاعتماد على نقطة جغرافية واحدة، لكنها لا تغني في المدى المنظور عن المضائق البحرية.
ويتأثر الأردن بهذه التحولات من أكثر من جهة. فميناء العقبة، المنفذ البحري الرئيس للمملكة، يقع على البحر الأحمر ويرتبط بمسار باب المندب وقناة السويس، ولذلك يرفع اضطراب الملاحة هناك كلفة النقل والتأمين على حركته. أما أثر هرمز فيصل إلى الأردن عبر أسواق الطاقة، إذ يستورد معظم حاجته منها، فتزداد فاتورته مع كل تقلب في الأسعار.
وفي المقابل، يمنح موقع الأردن فرصة ليكون محوراً لوجستياً يربط الخليج والعراق وشرق المتوسط. ومع الاستثمار في البنية التحتية ومشروعات الربط الإقليمي، يستطيع تحويل جزء من هذه الضغوط إلى مكاسب اقتصادية واستراتيجية.
ويتبدل مفهوم القوة في المنطقة؛ فبعد أن ارتبط بحجم الجيوش، صار يرتبط كذلك بالقدرة على التأثير في شبكات التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد. ويُرجَّح أن يدور التنافس المقبل حول التحكم في تدفقات الاقتصاد العالمي.
وبذلك تغدو الممرات البحرية ساحة لإعادة توزيع النفوذ، ويواجه الأردن مهمة حماية اقتصاده من تداعيات الاضطراب الإقليمي مع توظيف موقعه في الخريطة الاقتصادية الناشئة.