الأمير علي يضع الإعلام أمام تفاصيل المرحلة المقبلة
قبول استقالة نصار والبدارنة تتسلم المهمة بالإنابة
عمان6 min read
Share
لم يكن يوم أمس عادياً في أروقة اتحاد كرة القدم، بعدما دخلت منظومة الكرة الأردنية مرحلة إدارية جديدة، عنوانها قبول استقالة الأمين العام سمر نصار، وتكليف فرح البدارنة بتسيير مهام الأمانة العامة بالإنابة، بالتزامن مع فتح ملف شامل لمراجعة الأحداث والملابسات التي رافقت عملية بث مباراة منتخب النشامى أمام سوريا، وما رافقها من حالة استياء واسعة بين الجماهير والإعلام الرياضي.
وجاء القرار في أعقاب اجتماع مجلس إدارة الاتحاد برئاسة سمو الأمير علي بن الحسين، في وقت كانت فيه تداعيات مباراة سوريا قد تجاوزت حدود الخلل الفني في البث، لتتحول إلى قضية إدارية وإعلامية أثارت الكثير من الأسئلة حول آلية اتخاذ القرار، واختيار الشركة المنفذة، والإجراءات التي سبقت المباراة، ومدى جاهزية منظومة النقل لمباراة لمنتخب بات يحظى باهتمام محلي وعربي ودولي غير مسبوق بعد تأهله التاريخي إلى كأس العالم.
وكان الاتحاد قد أوضح عقب المباراة أن تأخر الرد على العرض المقدم من الاتحاد للقنوات المحلية للحصول على حقوق البث، دفعه إلى استكمال الإجراءات من خلال شركة متخصصة في خدمات البث والإنتاج التلفزيوني، مشيراً إلى أن الاختبارات الفنية أجريت قبل المباراة، قبل أن يطرأ خلل على خدمة الإنترنت المستخدمة لنقل الإشارة، الأمر الذي أثر على استقرار البث ووصوله إلى المشاهدين، كما قدم الاتحاد اعتذاره للجماهير وتعهد باتخاذ الإجراءات الكفيلة بعدم تكرار ما حدث.
استقالة أم إقالة؟
القرار الصادر عن مجلس إدارة الاتحاد حمل في مضمونه عبارة واضحة؛ قبول استقالة سمر نصار، مع توجيه الشكر والتقدير لها على ما قدمته خلال فترة عملها، وما أسهمت به في خدمة وتطوير منظومة كرة القدم الأردنية.
وبالتالي، فإن التوصيف الرسمي للقرار هو قبول الاستقالة وليس الإعلان عن إقالة نصار.
لكن توقيت القرار، بعد يومين فقط من أزمة بث مباراة سوريا، جعل الربط بين الحدثين أمراً حاضراً بقوة في المشهد الرياضي والإعلامي، خصوصاً أن ملف البث أصبح محور نقاش واسع، ورافقه ارتفاع في المطالبات بمراجعة المسؤوليات الإدارية والتنفيذية.
ومن المهم هنا عدم استباق نتائج التحقيق أو تحميل أي شخص مسؤولية مباشرة عن الخلل قبل اكتمال المراجعة، خصوصاً أن مصادر إعلامية تحدثت عن روايات متعددة حول أسباب الأزمة، فيما صدرت أيضاً معلومات تنفي بعض ما تم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي بشأن وجود صلات شخصية بين مسؤولي الاتحاد والشركة التي تولت عملية البث.
الأمير علي: لا بد من معرفة ما حدث
الأهم في المشهد الجديد أن سمو الأمير علي لم يتعامل مع أزمة البث باعتبارها حادثة عابرة يمكن تجاوزها بالاعتذار، وإنما اتجه إلى فتح باب المراجعة والتحقيق في مجريات الأحداث التي رافقت عملية النقل.
وهو توجه يضع الكرة في ملعب التحقيق لمعرفة تفاصيل ما حدث، منذ مرحلة طرح فكرة البث، مروراً بالجهة التي تولت التنفيذ، والإجراءات الفنية التي سبقت المباراة، وصولاً إلى لحظة ظهور الخلل ووصول الصورة إلى الجماهير بهذه الصورة غير المرضية.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد انقطاع إشارة أو ضعف إنترنت؛ إذ إن المطلوب هو معرفة أين كانت نقطة الخلل في سلسلة القرار والتنفيذ، وما إذا كانت الإجراءات المتخذة قبل المباراة كافية، ومن يتحمل المسؤولية إذا أثبتت المراجعة وجود تقصير إداري أو فني.
جمعة: نعتذر.. والنقد مطلوب
وبعد تصريحات سمو الأمير علي، تحدث نائب رئيس الاتحاد مروان جمعة أمام الصحفيين، مؤكداً أن ما حدث يستوجب المراجعة، ومقدماً الاعتذار للشعب الأردني عن الخلل الذي رافق بث مباراة سوريا.
وشدد جمعة على أن «النقد للإخفاق مطلوب.. والشخصنة لا تفيد أحداً»، مؤكداً أن الاتحاد سيعمل على مراجعة ما حدث، ومحاسبة المسؤول عن أي إخفاق إذا ثبتت المسؤولية.
كما أكد أن ما تحقق للكرة الأردنية خلال السنوات الماضية رفع سقف التوقعات، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى الواقعية في التعامل مع المرحلة المقبلة، خصوصاً أن الوصول إلى مستوى كأس العالم يتطلب استمرار العمل وتضافر الجهود.
وفي جانب آخر، ظهر مروان جمعة خلال المؤتمر وهو يقاطع سؤالاً وُجه إلى سمو الأمير علي بشأن عدم التعاقد مع التلفزيون الأردني لنقل مباراة سوريا، قائلاً للصحفيين: هذه تفاصيل بنحكي فيها لاحقاً»، وهو ما يعكس أن ملف البث لم يغلق بعد، وأن تفاصيله ستبقى حاضرة إلى حين اكتمال المراجعة.
البدارنة أمام مهمة جديدة
ومع قبول استقالة نصار، انتقلت مسؤولية الأمانة العامة بالإنابة إلى فرح البدارنة، لتبدأ مرحلة انتقالية في أحد أهم المواقع الإدارية داخل الاتحاد.
وتأتي مهمة البدارنة في توقيت حساس، فالكرة الأردنية تقف على أبواب استحقاقات كبيرة، وفي مقدمتها التحضير لكأس آسيا 2027، إلى جانب استمرار العمل على تطوير المسابقات المحلية والمنتخبات الوطنية، والحفاظ على الزخم الذي صنعه التأهل التاريخي لكأس العالم.
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد عملية سد شاغر إداري، وإنما اختبار لقدرة الاتحاد على إعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز الحوكمة، ورفع مستوى التنسيق بين الجوانب الفنية والإدارية والإعلامية.
الإعلام.. شريك دائم
ومن بين الملفات التي برزت في حديث سمو الأمير علي مع الإعلاميين، تأتي العلاقة مع الإعلام الرياضي، باعتبارها جزءاً أساسياً من المرحلة المقبلة.
فالكرة الأردنية بعد التأهل إلى كأس العالم لم تعد شأناً رياضياً محدوداً، بل أصبحت ملفاً يحظى بمتابعة جماهيرية وإعلامية واسعة، وبالتالي فإن التواصل مع الإعلام، وإتاحة المعلومات، والرد على التساؤلات، وشرح القرارات، أصبحت جميعها عناصر أساسية في بناء الثقة.
وفي المقابل، فإن الإعلام الرياضي مطالب أيضاً بأداء دوره المهني في الرقابة والنقد وكشف مكامن الخلل، بعيداً عن الشخصنة أو تحويل الاختلاف في الرأي إلى خصومة.
وهذه النقطة تحديداً تلتقي مع ما قاله جمعة حول ضرورة النقد عند الإخفاق، مع رفض الشخصنة، لتصبح العلاقة بين الاتحاد والإعلام أمام فرصة لإعادة تنظيمها على قاعدة واضحة: الاتحاد يقدم المعلومة بشفافية، والإعلام يمارس دوره النقدي بمهنية ومسؤولية.
صفحة جديدة
في المحصلة، تبدو استقالة نصار، وقبولها من مجلس إدارة الاتحاد، بمثابة محطة انتقالية في إدارة كرة القدم الأردنية، لكنها ليست نهاية القصة.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى أكثر من تغيير إداري؛ تحتاج إلى مراجعة شاملة للآليات، وتحديد المسؤوليات، وتعزيز الجاهزية، خصوصاً أن سقف الطموحات ارتفع كثيراً بعد التأهل إلى كأس العالم.
ويبقى ملف بث مباراة سوريا هو الاختبار الأول لهذه المرحلة، فإذا انتهى التحقيق إلى وجود خلل أو تقصير، فإن المطلوب أن تكون المحاسبة واضحة بقدر وضوح المسؤولية، وإذا ثبت أن ما حدث كان خللاً فنياً خارجاً عن السيطرة رغم استكمال الإجراءات، فإن الرأي العام يستحق أيضاً معرفة التفاصيل كاملة.
وبين قبول استقالة نصار وتكليف البدارنة، وبين حديث جمعة عن الاعتذار والمراجعة والنقد، وبين توجيهات سمو الأمير علي بفتح الملف، تبدو الرسالة الأوضح أن المرحلة المقبلة في الاتحاد ستكون مختلفة، وأن النجاح الذي تحقق في الملعب يجب أن يرافقه مستوى مماثل من التنظيم والإدارة والشفافية خارج الملعب.
فالكرة الأردنية التي وصلت إلى كأس العالم، ورفعت سقف طموحات جماهيرها، لم تعد تحتمل حلولاً مؤقتة أو معالجة للأخطاء بعد وقوعها؛ بل تحتاج إلى منظومة تستبق الخطأ، وتتعامل معه بشفافية عندما يحدث، وتضع المسؤولية في مكانها الصحيح.