لكن التحدي لم يعد في امتلاك الموارد، وإنما في تحويلها إلى قيمة اقتصادية مضافة، فالمشاريع الصناعية الجديدة في معان، ولا سيما المرتبطة بصناعات تحويلية من مادة الفوسفات، يمكن أن تشكل نواة لمنظومة مشتقة صناعية أوسع، ولا تقتصر آثارها على الاستثمار المباشر، بل تمتد إلى إنشاء شركات صغيرة ومتوسطة في الصيانة والخدمات الهندسية والخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد النقل والتعبئة والتغليف، الأمر الذي تتضاعف من خلاله القيمة المضافة وصولاً الى بناء سلسلة قيمة اقتصادية محلية من خلال استقطاب مشاريع استراتيجية كبرى.
وتملك معان كذلك فرصة استثنائية في اقتصاد الطاقة النظيفة، فوفرة الطاقة الشمسية والمساحات المتاحة يمكن أن تدعم التوسع في الطاقة المتجددة، وربطها بالصناعة وأثرها المباشر في تخفيض كلفة الإنتاج من خلال تخفيض فاتورة الطاقة التي تشكل نسبة كبيرة من حجم التكلفة الكلية في انتاج السلع وأثر ذلك في تخفيض السعر وزيادة تنافسية السلع والمنتجات كل حسب طبيعته، إضافة الى دراسة الفرص المستقبلية في تخزين الطاقة والهيدروجين الأخضر والصناعات منخفضة الكربون بموازاة الاهتمام الحكومي في هذا الشأن تحقيقا لرؤية التحديث الاقتصادي والبرنامج التنفيذي.
فيما يعطي موقع المحافظة إمكانية تطوير دورها كمركز للخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، بما يربط مناطق الإنتاج بالصناعة والتصدير عبر العقبة. وهذه الفرصة لا تعني إنشاء مستودعات ومراكز نقل فحسب، بل بناء منظومة لوجستية متخصصة تخدم الصناعة والتجارة والتصدير.
وفي المقابل، يمثل الاقتصاد الدائري مجالًا واعدًا يمكن أن يمنح معان ميزة جديدة، من خلال الاستثمار في إعادة التدوير، وإدارة المخلفات الصناعية، وكفاءة استخدام المياه والطاقة، وتحويل بعض المخلفات إلى مدخلات إنتاجية لمشروعات أخرى، وفق الاشتراطات الفنية والبيئية.
اما في مجال السياحة في المحافظة التي تحتوي على احدى عجائب الدنيا يمكن أن تكون جزءًا أساسيًا من الاقتصاد المحلي، ليس من خلال زيادة أعداد الزوار فقط، وإنما بتحويل السياحة إلى سلسلة قيمة محلية يستفيد منها المجتمع من خلال الإقامة، والمطاعم، والنقل، والمنتجات المحلية، والسياحة البيئية والثقافية والصحراوية.
غير أن نجاح هذه القطاعات يتطلب تمويلًا تنمويًا أكثر ذكاءً، وهنا تبرز أهمية المؤسسات التمويلية التنموية في الانتقال من تمويل المشاريع بصورة منفردة إلى تمويل سلاسل القيمة؛ بحيث تستفيد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. الأمر الذي من شأنه أن يفتح بابا واسعا للمشاركة في التنمية الاقتصادية المحلية أمام صندوق تنمية المحافظات، من خلال أدوات تمويلية موجهة إلى القطاعات ذات القيمة المضافة، وليس مجرد ممول تقليدي للمشاريع.
ويبقى الاستثمار في الإنسان هو الحلقة الأكثر أهمية؛ فالمشاريع الجديدة لن تحقق أثرها الكامل ما لم تترافق مع برامج تدريب وتأهيل ترتبط مباشرة باحتياجات المستثمرين، وتُعد أبناء المحافظة للوظائف المستقبلية في الصناعة والطاقة واللوجستيات والتكنولوجيا.
ومن هنا، فإن مستقبل معان لا ينبغي أن يبنى على تصدير الموارد وحدها، بل على تصنيعها، وربطها بالطاقة والتكنولوجيا واللوجستيات، وتوسيع قاعدة القطاع الخاص حولها بالانتقال من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد القيمة، ومن مشروع منفرد إلى منظومة اقتصادية ومن التنمية القائمة على الإنفاق إلى التنمية القادرة على إنتاج الدخل والاستثمار والاستدامة.
وعندها يمكن لمعان أن تتحول من محافظة تمتلك فرصًا اقتصادية واعدة إلى إحدى المنصات الإنتاجية والاستثمارية الأكثر أهمية في جنوب المملكة.