Skip to content
Amman —

حين يصنع المعلّم إنسانًا... يصنع وطنًا

وفي الأردن، يبقى المعلم في صلب أي حديث عن تطوير التعليم والارتقاء بمخرجاته، فالمناهج مهما تطورت والتكنولوجيا مهما تقدمت لا يمكن أن تحقق أهدافها دون معلم يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على مواكبة المتغيرات المتسارعة في عالم التعليم.

وفي هذا السياق، جاءت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله إلى مدرسة عائشة بنت أبي بكر الأساسية المختلطة في العقبة بمناسبة اليوم العالمي للمعلمين، حيث التقيا عددًا من المعلمين والمعلمات واطلعا على برامج التطوير المهني التي تنفذها وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين. وتحمل هذه الزيارة رسالة مهمة تؤكد أن الاهتمام بالمعلم وتطويره يمثلان أساسًا لأي عملية تطوير تربوي حقيقية.

وتتزايد أهمية التطوير المهني للمعلمين في وقت تتغير فيه أدوات التعلم بوتيرة غير مسبوقة، ويصبح الوصول إلى المعرفة أكثر سهولة من أي وقت مضى. ومن واقع الخبرة والمتابعة لواقع التعليم، أعتقد أن التحدي الأكبر اليوم لا يتمثل في نقص المعلومات، فالمعرفة أصبحت متاحة للجميع، وإنما في قدرتنا على إعداد معلمين يساعدون الطلبة على التفكير السليم، واختيار المعلومة الصحيحة، وتحويل المعرفة إلى مهارات وسلوك وممارسة. وقد أثبتت التجارب أن أي مشروع لتطوير التعليم لا يمكن أن يحقق أهدافه ما لم يكن المعلم شريكًا فاعلًا في عملية التطوير.

كما أسهمت مبادرات التميز التربوي، وفي مقدمتها جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي، في إبراز نماذج مشرقة من المعلمين الذين أحدثوا أثرًا حقيقيًا داخل الغرف الصفية، وأكدوا أن جودة التعليم تبدأ من المعلم ومن ممارساته اليومية وقدرته على الإبداع والتجديد.

غير أن تطوير التعليم لا يتوقف عند التدريب والتأهيل، فالمعلم يحتاج أيضًا إلى بيئة عمل داعمة ومحفزة، وإلى تقدير ينسجم مع حجم المسؤولية التي يتحملها. فالمجتمعات التي تستثمر في معلميها تدرك أن الاستثمار في التعليم هو استثمار في مستقبلها وقدرتها على التقدم والتنمية.

وقد تغيرت طبيعة المعرفة خلال السنوات الأخيرة، ولم يعد المعلم المصدر الوحيد للمعلومة، إلا أن ذلك لم يقلل من أهمية دوره، بل جعله أكثر ضرورة. فالطالب يستطيع الوصول إلى المعلومات بسهولة، لكنه يحتاج إلى من يساعده على فهمها وتحليلها والتمييز بين الصحيح والخاطئ منها.

فالمعلم الناجح لا يكتفي بأن يجعل الطالب يحفظ، بل يساعده على أن يفكر، ولا يقتصر على تقديم الإجابات، بل يشجعه على طرح الأسئلة والبحث والاستكشاف. كما يسهم في ترسيخ قيم الانتماء والمسؤولية واحترام الآخر، وهي قيم تشكل أساس بناء المجتمع إلى جانب المعرفة والمهارة.

ولذلك فإن الاحتفاء بالمعلم في يومه يجب أن يكون مناسبة للتأكيد على أهمية دعمه وتمكينه وتوفير الظروف التي تساعده على أداء رسالته. فالتعليم لا يبدأ بالتقنيات الحديثة وحدها، بل بمعلم يمتلك القدرة على الإلهام وتحفيز الطلبة على التعلم والإنجاز.

فوراء كل طبيب ومهندس وباحث وأكاديمي وقائد ناجح معلم ترك أثرًا في مرحلة من مراحل حياته. وربما ينسى الإنسان كثيرًا مما تعلمه في المدرسة، لكنه لا ينسى معلمًا آمن بقدراته، أو كلمة تشجيع منحته الثقة بنفسه، أو موقفًا ساعده على اكتشاف طريقه.

وفي يوم المعلم، لا نحتفي بمهنة فحسب، بل برسالة أسهمت وما تزال في تشكيل الوعي وبناء الإنسان الأردني. فالتعليم يبدأ من المعلم، والنهضة تبدأ من المدرسة، ومستقبل الوطن يبدأ من الطريقة التي نُعد بها أبناءنا اليوم.

وحقًا، حين يصنع المعلّم إنسانًا... يصنع وطنًا

Know more about this story?Send us a tip

Al Rai

AI

Ask about this report — answers stay grounded in its text.

Answers are experimental and grounded in Al Rai reporting. Each question uses 2 credits.