Skip to content
Amman —

الملك يحرك بوصلة العالم نحو الشرعية الدولية

ولكن ذروة الخطاب الملكي كانت حين حمّل المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية المسؤولية عما ترتكبه إسرائيل من جرائم حرب مستمرة، دون أن يخلي مسؤولية إسرائيل عن أفعالها، حيث ركز جلالته على أن من يسمح لإسرائيل بتكرار الجريمة دون عقابها، فإنه يرسل رسالة لها أن تستمر بجرائمها ولا تخاف من العقاب، هذا العقاب الذي حدده جلالة الملك بوضوح، وهو العقوبات التي يتم إيقاعها على دول إرهابية أو داعمة للإرهاب، لأن إسرائيل دولة إرهاب وليست دولة سلام.

وفي هذا السياق وضع جلالة الملك أمام المنظومة الدولية سؤالا يختبر شرعيتها وهو: ماذا يبقى من القانون الدولي إذا كان تطبيقه يختلف من قضية إلى أخرى؟ وما قيمة القرارات الدولية إذا بقيت، في نهاية المطاف، حبرا على ورق؟

القيمة الحقيقية للسؤالين أنهما سياسيان عمليان، فجلالته يقول لأكبر مؤسسة دولية ومن على منبرها أن قوتها تنبع من شرعيتها الأخلاقية التي تمثلت لاحقاً باتفاقيات وبروتوكولات، وأن ما تستند إليه من شرعية بدأ ينهار وهي تنهار معها، وأن محاولات التجميل السريع كتحديث مصطنع لمجلس الأمن مثلاً، لم يعد كافياً.

وكان جلالته واضحاً في تحميل المجتمع الدولي المسؤولية عما آلت إليه الأمور فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية حين قال إن "التقاعس خيار"، حيث أكد جلالته أن الأدوات السياسية لمعاقبة إسرائيل موجودة، من العقوبات وتجميد الأصول والحظر إلى العزل الدبلوماسي، مؤكداً على أن السؤال ليس ما إذا كانت الأدوات متاحة، وإنما لماذا لا تستخدم عندما يتعلق الأمر بانتهاكات القانون الدولي الذي تقوم به إسرائيل.

كما حمل الخطاب رسالة لا تقل أهمية، وهي أن الحرب في فلسطين ليست حربا دينية بين الإسلام والديانات الاخرى، فالملك شدد على حماية المسيحيين وإرثهم في المنطقة، وعلى حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، في رسالة ترفض اختزال الصراع في مواجهة بين أتباع الأديان.

وإنما صراع حول حق الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، في التمتع بالحقوق نفسها التي يتمتع بها الآخرون.

ورفض جلالة الملك بخطابه التعامل مع غزة والضفة الغربية باعتبارهما ملفين منفصلين، حيث يرى الملك أن ما يحدث في القطاع من تدمير وما يحدث في الضفة من استيطان ومصادرة أراض وتهجير، يصبان في اتجاه واحد، وهو تغيير الواقع على الأرض بما يجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أكثر صعوبة، وهو ما يعني أن أي حديث عن وقف إطلاق النار من دون الحديث عن مستقبل الضفة الغربية وغزة معاً قد يعني عملياً تأجيل الصراع بدلاً من حله.

ورغم هذه اللهجة الحاسمة في الخطاب الملكي، إلا أن جلالته لم يغلق باب الدبلوماسية، حيث أكد أن الأردن "بلد يمكن للعالم الاعتماد عليه"، وأنه مستعد للحوار مع الجميع والعمل مع كل من يسعى إلى السلام، لكن الأردن يضع حداً فاصلاً بين التمسك بالدبلوماسية وبين التنازل عن القيم والمبادئ، وهو ما أكده جلالته حين قال إن تمسك الأردن بالدبلوماسية لا ينبغي أن يُفهم على أنه ضعف.

ومن فلسطين، انتقل الخطاب إلى سوريا، حيث ربط الملك التطورات في جنوبها مع الأمن الوطني الأردني، حيث اعتبر جلالته أن أي تهديد للحدود الشمالية أو الأمن المائي هو تهديد للأمن الوطني الأردني مباشرة، وحينها سيستخدم الأردن كل الوسائل المتاحة للدفاع عن نفسه، وهي رسالة واضحة بأن الأردن لا يفرط بحقه كما أنه لا ينظر إلى أزمات المنطقة كملفات منفصلة، وإنما إلى تداعياتها باعتبارها متصلة بأمنه ومصالحه الوطنية.

أهمية الخطاب تكمن في الطريقة التي جمع بها الملفات تحت فكرة واحدة أساسها أن ما يختار العالم أن ينتبه إليه وما يختار أن يتجاهله هو موقف سياسي ويصنع المستقبل.

ويبقى السؤال، هل يتحول هذا الانتباه إلى فعل، وهل سينجح النظام الدولي في اختبار المصداقية وقدرته على تطبيق المبادئ التي يتحدث عنها؟

Know more about this story?Send us a tip

Al Rai

AI

Ask about this report — answers stay grounded in its text.

Answers are experimental and grounded in Al Rai reporting. Each question uses 2 credits.