غير أن المصارحة الوطنية تقتضي القول إن غزارة النشر وحدها لا تصنع تنمية. فالإنتاج البحثي لدينا يهدف في الغالب إلى الترقية الأكاديمية وتحصيل حوافز النشر، لا إلى تلبية حاجة قطاعٍ إنتاجي أو معالجة مشكلةٍ يعيشها الناس. وكانت الحصيلة جسماً معرفياً واسعاً غير متجانس؛ أوراقاً متفرقة لا تتراكم في خط بحثي واحد ولا تفضي إلى منتج، وشراكةً ضعيفة مع الصناعة، ونقلاً محدوداً للتكنولوجيا من المختبر إلى السوق.
ومن هنا تتجلى أهمية توجيهات سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، للمجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، بالعمل على تطوير منظومة البحث العلمي والابتكار في الأردن. فقد أكد سموه أهمية وضع أولويات للبحث العلمي، والاستفادة من الكفاءات والمؤسسات العلمية الأردنية في تعزيز الاستثمار في هذا المجال، وشدد على الإسراع في تهيئة البيئة المناسبة لتكون المملكة حاضنة للابتكار والريادة. وهي توجيهات تختصر الطريق وتضع البوصلة في نصابها.
واستجابةً لهذا التوجه، أنجز المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا أول خريطة وطنية لأولويات البحث العلمي في المملكة، ارتبطت موضوعاتها بمحركات النمو في رؤية التحديث الاقتصادي. ويجري العمل في صندوق دعم البحث العلمي والابتكار على الانتقال من تمويل مشاريع فردية متفرقة إلى تبنّي مهمات بحثية وطنية محدودة العدد تُبنى على هذه الخريطة، وتنهض بها عناقيد بحثية تجمع أكثر من مؤسسة وتخصص وتضم طلبة الدراسات العليا، في شراكة حقيقية مع الصناعة.
ولكي يكتمل هذا التحول لا بد من أمرين: أن تعترف أسس الترقية الأكاديمية ببراءة الاختراع والمنتج والشراكة الصناعية إنجازاً علمياً كما تعترف بالنشر، وأن يعود التمويل المستدام للبحث العلمي بوصفه استثماراً في اقتصاد المعرفة لا نفقةً تشغيلية.
إن البحث العلمي ليس ترفاً أكاديمياً ولا رقماً في تقارير التصنيف، بل هو أداة الدولة لحل مشكلاتها. ونجاحه لا يقاس بعدد ما ننشره، بل بمترٍ مكعب من المياه وفّرناه، وبدواءٍ صُنع في بلدنا، ومحصولٍ قاوم الملوحة، ووظيفةٍ نوعية أتيحت لشابٍ أردني. ذلك هو الأثر الذي يلمسه المواطن، وذلك هو المعيار الذي ينبغي أن نحاسب أنفسنا عليه.