Skip to content
Amman —

خطوط الأردن الحمراء في زمن الانكشاف الدولي

هذا التناغم البنيوي في المواقف يمثل جوهر العقيدة السياسية الأردنية الممتدة من الحسين إلى عبدالله الثاني؛ وهي عقيدة تقوم على نهج تاريخي أصيل اختطه الملك الحسين -طيب الله ثراه- وأسس لركائزه، ليتوارثه الملك عبدالله الثاني بصلابة ويقين، حاملاً أمانة نقل هذه الجينات السياسية والوطنية إلى الأجيال القادمة. ولعل مفتاح تفكيك هذا الثبات يكمن في خطاب 2024 نفسه، حين استدعى جلالته سيرة والده الرمز الذي قاتل من أجل السلام العادل حتى الرمق الأخير. لم يكن هذا الاستحضار مجرد وقفة وفاء عاطفية لأب، بل كان إعلاناً سياسياً حازماً يضع القيادة الحالية في قلب هذا النهج التاريخي، ورفضاً قاطعاً لأن يورث الأبناء أو أبناء الوطن مستقبلاً يرزح تحت وطأة الاستسلام أو القبول بالأمر الواقع.

وفي هذا الفضاء الاستراتيجي، تكتسب ثنائية "السلام والاستسلام" تعريفها الهاشمي الحقيقي؛ فالأردن الذي اتخذ السلام خياراً واعداً ودشّنه كمسار للدولة، لم يفهمه يوماً على أنه انصياع لإملاءات القوة الغاشمة، أو تفريط في الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، أو غض للطرف عن محاولات تصفية القضية عبر التهجير القسري. ومن هنا، ينقل الخطاب الملكي الوعي الجمعي من السؤال التقليدي "من يريد السلام؟" إلى السؤال الجوهري والمصيري: "أي سلام نريد؟"، أهو سلام ينهي الاحتلال ويُقيم الدولة الفلسطينية المستقلة، أم استسلام مُقنّع يُفرض بقوة السلاح ويُراد للأردن وللعالم تسميته سلاماً؟

لقد شكّلت المسافة الفاصلة بين الأمس واليوم برهاناً عملياً على دقة القراءة الأردنية للمخاطر. ففي خطاب 2024، وضع جلالة الملك خطاً أحمر حاسماً وصلباً أمام الأطروحات المتطرفة التي تروج لوهم "الوطن البديل" أو تسعى لفرض التهجير القسري للفلسطينيين. واليوم، ومع تفاقم السياسات التوسعية في الضفة الغربية ومحاولات تقويض حل الدولتين، لم يتراجع الخط الأحمر الأردني إنشاً واحداً؛ بل عاد جلالته في خطابه الأخير بنبرة أكثر حزماً، مطالباً المجتمع الدولي بأدوات عملية ومحاسبة حقيقية لوقف هذه الانتهاكات، معيداً الزخم الكامل لمركزية القدس والوصاية الهاشمية التاريخية على مقدساتها الإسلامية والمسيحية.

هذا الثبات يتجلى بوضوح في تعرية "أزمة الضمير العالمي". فبعد أن حذر الملك قبل عامين من بيئة دولية تضع قوى بعينها فوق القانون وتطبق مبادئ حقوق الإنسان بانتقائية فجة، جاء خطابه التاريخي هذا الأسبوع ليضع العالم أمام مرآة عجز الأخلاقي عبر أسئلة مصيرية: ماذا يتبقى من القانون الدولي وحرمته حين يُسمح بانتهاكه دون محاسبة؟ وما قيمة العدالة الدولية إذا غدت القوة العسكرية وحدها هي صانعة الحقوق ومشكّلتها؟

إن الانفتاح الأردني على الحوار وحرصه التاريخي على الحلول الدبلوماسية، كما يعيد التذكير جلالته، لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يُفهم كعلامة ضعف أو تراجع. فالمبادئ الهاشمية والحقوق التاريخية ليست أوراقاً للمساومة، ولا تتبدل بتبدل الأولويات الدولية أو خفوت الاهتمام العالمي. ومن هذا، يوجه الخطاب رسالة بالغة القوة والوضوح إلى كل من راهن، أو لا يزال يراهن، على أن عامل الوقت، أو ضغط الآلة العسكرية، أو سياسة فرض الأمر الواقع، يمكن أن يدفع الدولة الأردنية إلى تقديم تنازلات استراتيجية. فالمراهنة على صمت الأردن إزاء تصفية القضية الفلسطينية، أو التخلي عن مسؤولياته التاريخية تجاه القدس، هي مراهنة على سراب واهم ورهان سياسي خائب؛ فالأردن الذي صمد في وجه أعنف العواصف الإقليمية، يثبت اليوم أنه عصي على الانكسار أو التماهي مع أي سلام مشوه.

وفي الختام، يتبدى خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني الأخير كوثيقة سياسية وأخلاقية تتجاوز اللحظة الراهنة لتستقر في عمق التاريخ والمستقبل. فمن إرث الملك الحسين، إلى قيادة الملك

عبدالله الثاني، ومنه إلى ولي عهده الأمير الحسين بن عبدالله، وصولاً إلى كافة أبناء الوطن وبناته، تتدفق رؤية وقيم عابرة للأجيال كابراً عن كابر. هو عهد وطني وقومي وثيق، لا تزعزعه الضغوط ولا تميل به العواصف الإقليمية، ليظل الأردن دائماً وأبداً في طليعة المدافعين عن الحق العربي، ومجسداً حياً للموقف الذي لم يتبدل ولم يهن: "وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً".

Know more about this story?Send us a tip

Al Rai

AI

Ask about this report — answers stay grounded in its text.

Answers are experimental and grounded in Al Rai reporting. Each question uses 2 credits.