وتركّز الدول اليوم على من يملك السلعة ومن يتحكم في طريق وصولها، وعلى ما يحدث إذا وقعت أزمة، بعد أن كان همّها الأول البحث عن أقل سعر.
يقع الأردن في صميم هذه المعادلة، فموقعه وسط منطقة مضطربة يجعله شديد التأثر بما يجري خارج حدوده، وهو الموقع نفسه الذي يمنحه قيمة جيوسياسية واقتصادية يمكن البناء عليها.
وقد تجلّى ذلك في اضطرابات المنطقة خلال 2026، إذ انعكس ارتفاع كلفة الطاقة والشحن، وتراجع النشاط السياحي، على الاقتصاد الأردني مباشرة. وتوقّع صندوق النقد الدولي نمواً بنحو 2.7% في 2026، مع اتساع عجز الحساب الجاري بسبب زيادة كلفة الطاقة والشحن والتأمين وانخفاض إيرادات السياحة. ومع ذلك بقي الاقتصاد مستقراً إلى حد كبير، بفضل احتياطياته وسياساته الاقتصادية، ومنها إجراءات تأمين الطاقة وسلاسل التوريد.
والتحدي الأبرز أمام الأردن أن ينقل الصمود الاقتصادي من رد فعل على الأزمات إلى استراتيجية قوة، فميناء العقبة أصل استراتيجي للمملكة، وشبكات النقل البرية قادرة على منحها دوراً أكبر في التجارة الإقليمية وفي إعادة الإعمار مستقبلاً.
وأصبح تنويع مصادر الطاقة شأناً يمس السيادة الاقتصادية إلى جانب بعده البيئي، وقد بلغت مساهمة الطاقة المتجددة نحو 28% من إمدادات الكهرباء في 2025 وفق تقرير صندوق النقد.
غير أن بناء القوة على الاكتفاء الذاتي غير متاح لاقتصاد بهذا الحجم، فهو يحتاج إلى الانفتاح. ويقتضي ذلك تنويع الاعتماد، بحيث لا تتركز الطاقة والصادرات في مصدر أو سوق واحدة، ويتعدد مسار التجارة والاستثمار.
وبهذا التنويع تتسع خيارات المملكة: العقبة جنوباً، والعراق والخليج شرقاً، وسوريا وتركيا وأوروبا شمالاً، إضافة إلى علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية.
وفرصة الأردن أن يوظّف موقعه واستقراره ليحوّل الجغرافيا إلى قيمة اقتصادية وقوة تفاوضية، فيخرج من موقع متلقّي الصدمات الجيوسياسية.