Skip to content
Amman —

أغلى طالب هو الذي لم نستثمر فيه

لا تناقش السياسة التعليمية، ولا مؤشرات الاقتصاد، ولا مستقبل رأس المال البشري. السؤال على الطاولة أبسط وأقسى: هل نستطيع إبقاء ابننا في الجامعة فصلًا آخر؟

قد تبدو تلك لحظة عائلية خاصة. لكنها في الحقيقة لحظة اقتصادية تخص دولة بأكملها.

لأن الطالب الذي يغادر الجامعة بسبب المال لا يختفي من كشف التسجيل فقط. قد يختفي معه طبيب كان سيعالج آلاف المرضى، أو مهندس كان سيبني شركة، أو معلم كان سيؤثر في مئات الأطفال، أو باحث كان سيجد إجابة لسؤال لم نطرحه بعد.

نحن بارعون في حساب كلفة التعليم. لكننا أقل براعة في حساب كلفة غيابه.

وهذه ربما إحدى أكبر مشكلات الطريقة التي ننظر بها إلى التعليم العالي.

فعندما تنفق الدولة على طريق، نسميه بنية تحتية. وعندما تمول شبكة كهرباء، نسميه استثمارًا. وعندما تؤمّن مخزونًا من القمح أو الدواء، نسميه أمنًا استراتيجيًا.

لكن عندما تنفق على طالب، سرعان ما تظهر كلمة "الكلفة".

لماذا؟

فالطريق لا يصمم نفسه، والمستشفى لا يعالج أحدًا وحده، والمختبر لا يبتكر، والآلة مهما بلغت دقتها لا تعرف لماذا صُنعت.

خلف كل ذلك إنسان تعلم.

لهذا ربما حان الوقت لإضافة مفهوم آخر إلى قاموس الأمن الوطني: الأمن التعليمي.

الأمن التعليمي ليس عدد الجامعات، ولا عدد المقاعد، ولا عدد الشهادات التي نطبعها كل عام. إنه قدرة المجتمع على ضمان ألا تضيع موهبة بسبب دخل أسرتها، وألا يبدأ طالب طريقًا يستطيع عقله إكماله ثم توقفه محفظته في منتصفه.

إنه ببساطة أن تكون المسافة التي يقطعها الإنسان في التعليم مرتبطة بما يستطيع أن يتعلمه، لا بما يستطيع أن يدفعه.

وهذا ليس طرحًا عاطفيًا ضد الحسابات الاقتصادية. إنه حساب اقتصادي من نوع أكثر ذكاءً.

فالطالب ليس مستهلكًا للمال العام؛ إنه رأسمال في طور البناء.

كل مبلغ يُستثمر فيه ينتقل عبر سلسلة طويلة: مال يصبح تعليمًا، والتعليم يصبح مهارة، والمهارة تصبح إنتاجًا، والإنتاج يصبح دخلًا وضرائب وشركات وابتكارًا ووظائف.

لكن المشكلة أن هذه الرحلة تحتاج إلى وقت.

السياسة تحب النتائج التي يمكن عرضها في نهاية العام. أما التعليم فيطلب من صانع القرار أن يستثمر اليوم في نتيجة قد ينسبها التاريخ إلى شخص آخر بعد عشرين عامًا.

وهنا يُختبر معنى القيادة.

يمكن شراء أجهزة طبية خلال أشهر. لكن لا يمكنك شراء الطبيب الذي يعرف كيف يستخدمها بعد أن تقع الأزمة. يمكنك استيراد التكنولوجيا، لكنك لا تستطيع استيراد مجتمع كامل قادر على تطويرها بين ليلة وضحاها.

العقول تحتاج إلى سنوات قبل أن نحتاج إليها.

لذلك فإن التعليم ليس قطاعًا ينافس الصحة والاقتصاد والتكنولوجيا على التمويل. إنه القطاع الذي سيصنع البشر الذين سيديرون الصحة والاقتصاد والتكنولوجيا.

وهنا تصبح الرسوم الجامعية قضية أكبر من فاتورة.

حين يصل شاب إلى الجامعة بعد سنوات من التعليم، ثم يتوقف لأن أسرته لم تستطع تحمل الكلفة، فنحن نترك استثمارًا طويلًا غير مكتمل في أكثر مراحله حساسية.

لكن الحل ليس كتابة كلمة "مجاني" فوق أبواب الجامعات والانصراف.

فالتعليم الرخيص الذي لا يضيف معرفة قد يكون مكلفًا جدًا على المجتمع، والشهادة التي لا تمنح صاحبها قدرة حقيقية ليست استثمارًا، بل تأجيلًا لمشكلة البطالة.

الأمن التعليمي يحتاج إلى أكثر من مقعد: الوصول، والاستمرار، والجودة، ثم الفرصة.

أن يدخل الطالب الجامعة، وأن يستطيع البقاء فيها، وأن يتعلم فعلًا، ثم أن يجد اقتصادًا يعرف ماذا يفعل بما تعلمه.

وإلا وقعنا في مفارقة أخرى: ندفع لتعليم أفضل عقولنا، ثم نشاهدها تغادر بحثًا عن مكان يقدر قيمتها.

نقلق كثيرًا عندما يخرج رأس المال من البلاد.

لكن هناك رأسمال لا يغادر عبر المصارف.

يغادر في مقعد طائرة، وفي حقيبته شهادة.

وفي القرن الذي أصبحت فيه المعرفة واحدة من أهم أدوات القوة الاقتصادية، فإن الدولة التي تخسر عقولها لا تخسر مواطنين فحسب؛ إنها تمول، من حيث لا تقصد، مستقبل اقتصادات أخرى.

لهذا ينبغي أن يتغير السؤال.

ليس: هل نستطيع تحمل كلفة الاستثمار في التعليم؟

بل: هل نستطيع تحمل كلفة عدم الاستثمار فيه؟

فالدولة التي تؤمّن القمح لعشر سنوات تفكر في جوع محتمل. والتي تؤمّن الطاقة تفكر في انقطاع محتمل. والتي تستثمر في التعليم تفكر في خطر أكبر: أن يصل المستقبل، ولا تجد من يعرف كيف يديره.

وعندما ننظر بهذه الطريقة إلى الطالب الذي تنتظر أسرته موعد دفع الرسوم، تتغير الصورة كلها.

إنه ليس رقمًا جامعيًا.

وليس عبئًا على الموازنة.

وليس مستفيدًا من دعم.

إنه احتمال.

احتمال شركة لم تُؤسس بعد، وعلاج لم يُكتشف بعد، ومدرسة لم تتغير بعد، وفكرة لم تولد بعد.

والمجتمعات الذكية لا تنتظر حتى تتحول الاحتمالات إلى خسائر كي تعرف قيمتها.

فأغلى طالب على الدولة ليس الطالب الذي دفعت لتعليمِه كثيرًا؛ بل الطالب الذي كان يمكن أن يصنع لها الكثير، ثم خسرته لأنها قررت أن الاستثمار فيه كان مكلفًا.

Know more about this story?Send us a tip

Al Rai

AI

Ask about this report — answers stay grounded in its text.

Answers are experimental and grounded in Al Rai reporting. Each question uses 2 credits.