فشلت حملة نابليون، لكنها أيقظت هواجس أبواب الشرق الأوسط الاستراتيجية، لذا تراجعت الحملة، غير أن حلم مشروع قناة السويس بقي حاضرا بقوة، هذه القناة التي جمعت شتات البحرين، وقربت صلات العالمين، لكنها كشفت الأهمية المركزية لمضيق باب المندب وخليج العقبة ومضيق هرمز، وغيرها من الممرات والموانئ البحرية، مثل بحر العرب وموقع الصومال، وحساسية خليج جيبوتي، وما تمثله إريتريا من شريط عازل شديد التأثير الجيوسياسي، ولعل حرب "العدوان الثلاثي" 1956م التي نشبت عقب تأميم قناة السويس قد فاقمت الإدراك بأهمية هذه المعابر، وبالتالي جعلت من الشرق الأوسط منطقة تجاذب عالمي، تتصادم فيه مصالح عابرة للحدود، وموطنا دائما لخطط خارجية تلقي بظلالها الثقيلة على هذه المنطقة برمتها.
إنه حصار عن بعد، إذ نجد أن حرب الممرات اليوم تشبه إلى حد كبير تكتيكات حصار القلاع والمدن في الحروب القديمة، لكنها حرب المسافات البعيدة، فلست بحاجة لقيادة جيوش كبيرة وقطع مسافات طويلة لحصار أوروبا، اليوم يكفي أن تعطل مضيقا أو تغلق ممرا قريبا من حدودك ليكون الأثر العميق هناك في البعيد، بل إن الأثر هنا يلقي بظلاله على دول الإنتاج ودول الاستهلاك معا، مما يزيد من تعقيد أي مواجهة عسكرية حديثة، وهنا تبرز ميزة الموقع الجيوسياسي ولعنته في الآن نفسه، هو ما ينعم به الشرق الأوسط من نعمة حساسية الميزة الجغرافية ونقمة هشاشة المضائق والممرات لأي واقع عسكري أو أمني، فأنت لا تغلق الباب على عدوك وحسب، بل تغلقه على نفسك أيضا، وهذا ما يجعل من استخدام هذه المضائق كسلاح إقليمي – عالمي مرافقا للعبة الصبر والقدرة على التحمل الاستراتيجي، وكأننا أمام لعبة عض الأصابع.




