Skip to content
Amman —

من توليد الكهرباء إلى كفاءة الشبكة.. الدرس الأسترالي للأردن

هذا التحول في طريقة التفكير هو، في تقديري، أهم ما تحمله استراتيجية قطاع الطاقة الأردني 2025–2035. فالاستراتيجية لا تتعامل مع القطاع كمحطات توليد وخطوط نقل وتوزيع، بل كمنظومة واحدة تجمع كفاءة الطاقة وإدارة الطلب والتخزين والتعرفة المرتبطة بالزمن والتوسع في الطاقة المتجددة، وتستهدف خفض الفاقد الكهربائي تدريجيًا إلى 8% بحلول عام 2035، مع تطبيق التعرفة المرتبطة بالزمن على مختلف القطاعات لتخفيف الطلب في ساعات الذروة.

ملف الفاقد تحديدًا شهد تحسنًا ملموسًا في السنوات الأخيرة، والجهد الذي بذلته وزارة الطاقة والثروة المعدنية، بقيادة الوزير الدكتور صالح الخرابشة، يتجاوز تحسين الأرقام الفنية للشبكة إلى إصلاح اقتصادي يمسّ المالية العامة مباشرة، فبحسب الوزارة، خفّضت خطة الإصلاح المالي خسائر قطاع الطاقة خلال عام 2025 بنحو 113 مليون دينار، بفضل خفض الفاقد وتقليل الكلف التشغيلية.

الرقم يشرح القضية وحده: الكهرباء التي لا تضيع على الشبكة كهرباء لم نضطر إلى توليدها أو شرائها أو نقلها، وكل نقطة مئوية توفَّر من الفاقد تحسّن اقتصاديات المنظومة كلها، فكفاءة الشبكة تعني محطة توليد لا نراها.

غير أن نجاحنا في رفع حصة الطاقة المتجددة فتح تحديًا جديدًا: أصبحت الشمس والرياح جزءًا أساسيًا من مزيج الكهرباء، لكن الشمس تنتج بكثافة في النهار، فيما يبلغ الطلب ذروته في المساء، والحل المعروف هو التخزين، ولكن السؤال هو ما إذا كان علينا دائمًا أن نبني محطات تخزين ضخمة يتحمل النظام الكهربائي كلفتها كاملة.

أستراليا أجابت عن هذا السؤال بطريقة مختلفة تستحق الدراسة، فقد تعاملت مع بطاريات المنازل كجزء من البنية التحتية للطاقة، لا كوسيلة لخفض فاتورة المواطن وحسب، ومن خلال برنامج حكومي، باتت الأسر والمنشآت الصغيرة تحصل على دعم يقارب 30% من التكلفة الأولية للبطارية، بهدف رفع قدرة النظام على تخزين الطاقة الشمسية الرخيصة نهارًا واستخدامها حين يشتد الطلب.

النتيجة ظهرت على الشبكة نفسها، ففي الربع الأول من عام 2026 وصلت الطاقة التي نقلتها البطاريات المنزلية وبطاريات الشبكة من ساعات النهار إلى ذروة المساء إلى 1,115 ميغاواط، ما خفف ضغط الأسعار في فترات الطلب المرتفع، وأضيفت أكثر من 400 ألف بطارية منزلية خلال الاثني عشر شهرًا السابقة لشهر يوليو 2026، فيما سجّلت الأسر التي تجمع بين الألواح الشمسية والبطاريات فواتير أقل بوضوح من المشتركين المعتمدين على الشبكة وحدها.

ما الذي يمنع الأردن من تحويل جزء من مستهلكيه إلى شركاء في إدارة الشبكة؟ يمكن تصميم منظومة تشجّع على تركيب البطاريات في المنازل والمصانع وربطها بنظام ذكي يستدعي الطاقة المخزنة في ساعات الذروة، فالمستهلك يدفع فاتورة أقل، وشركات التوزيع تخفف من ضغط الذروة، والنظام الوطني يقلل تشغيل وحدات التوليد الأعلى كلفة، والاقتصاد يتجنب استثمارات تُبنى أصلًا لتغطية ساعات معدودة من أعلى طلب في السنة، وعندما تتكرر البطارية الصغيرة آلاف المرات، تصبح محطة تخزين افتراضية بحجم وطني.

والبيئة التنظيمية لهذا التحول بدأت تتشكل بالفعل، فالتعرفة المرتبطة بالزمن تمنح المستهلك أسعارًا أفضل خارج الذروة وحافزًا لتغيير نمط استهلاكه، وقد أشارت هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن صراحة إلى أن الاستفادة من هذه التعرفة تتضاعف عند توفر أنظمة تخزين للطاقة المتجددة تُشحن خارج الذروة وتُفرَّغ خلالها، كما أظهر التطبيق الحالي أن نقل 25% من الأحمال إلى خارج أوقات الذروة سوف يحقق وفرًا سنويًا للقطاعات المشمولة.

من هنا يصعب تبرير أن نستثمر مليارات الدولارات في قدرات توليد جديدة، ثم نترك جزءًا من الكهرباء يضيع على الشبكة، ونشغّل محطات مكلفة لتغطية ذروة لا تدوم سوى ساعات، بينما يمكن إدارة جزء من هذا الطلب بالتخزين والتعرفة الذكية، والخطوة التالية هي الانتقال من مفهوم المستهلك إلى مفهوم "المستهلك المنتج والمخزّن"، عبر نموذج وطني يجمع حوافز مدروسة للبطاريات المنزلية والتجارية والصناعية، وعدادات ذكية، وتعرفة مرتبطة بالزمن، وربط البطاريات المؤهلة بمنظومة إدارة مركزية أو بمحطات طاقة افتراضية.

هذا لا يلغي الحاجة إلى مشاريع التخزين الكبيرة، فالأردن يحتاج مزيجًا متوازنًا من التخزين المركزي واللامركزي، والاستراتيجية نفسها تتجه إلى إدخال البطاريات ومشاريع الضخ والتخزين، وقد أعلنت الوزارة توجهًا لمشاريع تخزين تصل إلى مئات الميغاواط قبل عام 2030. لكن الشبكة التي نخطط لها اليوم لن تكون شبكة تنتج الكهرباء من عدد محدود من المحطات وتبيعها لمستهلكين ينتظرون الفاتورة، ستكون شبكة تتعامل مع ملايين نقاط الإنتاج والتخزين والاستهلاك في آن واحد، وهذا هو الاختبار الحقيقي للعقد المقبل.

وفر الـ113 مليون دينار في 2025 أثبت أن الكفاءة تتحول إلى أرقام في الموازنة، والوفر التالي موجود في المنازل والمصانع: في كل بطارية تُركّب في الوقت المناسب، وكل حمل يُنقل خارج ساعة الذروة، وكل كيلوواط ساعة لا يضيع على الشبكة، والكهرباء الأرخص في الأردن خلال السنوات العشر المقبلة ستكون تلك التي لا نحتاج إلى توليدها.

Know more about this story?Send us a tip

Al Rai

AI

Ask about this report — answers stay grounded in its text.

Answers are experimental and grounded in Al Rai reporting. Each question uses 2 credits.