Skip to content
Amman —

في عيد ميلاد الأميرة سلمى...

ثمة أعياد ميلاد لا تستدعي الوقوف عند عدد السنوات بقدر ما تدعونا إلى التأمل في المعنى الذي تصنعه السنوات، وفي الشخصية التي تتشكل بصمت بين الإرث والاختيار، وبين ما يمنحه التاريخ للإنسان وما يختار الإنسان أن يضيفه إلى ذلك التاريخ. وفي السادس والعشرين من أيلول، عيد ميلاد سمو الأميرة سلمى بنت عبدالله الثاني، يبدو الحديث عنها مدخلاً للحديث عن جيل هاشمي شاب يحمل إرثاً كبيراً، لكنه يدرك أن الإرث لا يكتمل إلا بالعمل، وأن الاسم مهما كان عريقاً لا يغني عن المسؤولية.

لهذا جاء التعبير عنها في كتاب صدر مؤخرا بعنوان (من فرصتنا الأخيرة إلى الأمل الدائم: فن الممكن في زمن المستحيل – قراءة في فكر جلالة الملك عبدالله الثاني لافتاً في دلالته، حين خُصص لها فصل خاص، حمل عنوان : الأميرة المناضلة وجينات البطولة». فالمعنى هنا يتجاوز الوصف الاحتفائي إلى سؤال أعمق: ما الذي تعنيه «جينات البطولة» في أسرة حملت، جيلاً بعد جيل، مسؤولية الدولة والإنسان؟

إنها ليست بطولة القوة وحدها، ولا بطولة المواقف الاستثنائية فحسب؛ بل هي قبل ذلك جينات الواجب: أن يكون الإنسان مستعداً حين يناديه الواجب، وأن يعرف أن الامتياز يضاعف المسؤولية ولا يقللها، وأن المكانة الحقيقية لا تُقاس بما يمنحه الموقع لصاحبه، وإنما بما يقدمه صاحب الموقع للناس والوطن.

في شخصية سمو الأميرة سلمى يلتقي هذا المعنى مع صورة مختلفة للشابة الاردنية؛ شابة تنتمي إلى بيت ملكي، لكنها اختارت طريق الانضباط والتأهيل والعمل، وتقدمت إلى فضاءات ظلت زمناً طويلاً مرتبطة بصورة نمطية بالرجل. وهنا تكتسب تجربتها دلالة تتجاوز شخصها؛ لأنها تقول للفتيات الأردنيات إن الطموح لا سقف له، وإن الكفاءة لا جنس لها، وإن الشجاعة ليست صفة تُورث بالاسم، بل قيمة تثبت بالفعل.

ولعل أجمل ما في عبارة «جينات البطولة» أنها تصل الماضي بالحاضر. ففي الذاكرة الهاشمية سلسلة طويلة من الرجال والنساء الذين ارتبطت أسماؤهم بمواقف المسؤولية العامة. لكن البطولة، حين تنتقل من جيل إلى جيل، لا تنتقل بوصفها امتيازاً جاهزاً؛ إنها تتحول إلى تكليف أخلاقي. وهذا تحديداً ما يجعل الجيل الهاشمي الشاب أمام مسؤولية مضاعفة: أن يحفظ الإرث، وأن يمنحه في الوقت نفسه لغة العصر وأدواته.

وسمو الأميرة سلمى هي ابنة جلالة الملك عبدالله الثاني، القائد الذي جعل من الانضباط العسكري والعمل الميداني والقرب من الناس عناصر أصيلة في مفهوم القيادة. وهي أيضاً ابنة جلالة الملكة رانيا العبدالله، التي ارتبط حضورها بالتعليم والإنسان وتمكين الشباب والمرأة. وبين هذين البعدين تتشكل صورة جيل جديد يجمع بين قوة الواجب ورقّة الإنسانية، وبين الانضباط والرحمة، وبين الاعتزاز بالإرث والقدرة على الذهاب به إلى المستقبل.

ولذلك، فإن الاحتفاء بعيد ميلاد الأميرة سلمى لا ينبغي أن يبقى في حدود التهنئة التقليدية. إنه مناسبة لقراءة الرسالة التي تقدمها تجربتها للشباب الأردني: أن أبناء الأوطان لا يُقاسون فقط بما يحملونه من أسماء، بل بما يحملونه من مسؤوليات؛ وأن الانتماء ليس خطاباً يقال، وإنما استعداد دائم لأن يكون الإنسان حيث يحتاجه وطنه.

لقد التقط كتاب (من فرصتنا الأخيرة إلى الأمل الدائم) هذا البعد حين وضع سموها في إطار «جينات البطولة». وربما يكون الأعمق أن نقرأ تلك الجينات لا باعتبارها ميراثاً بيولوجياً، بل ميراثاً قيمياً وأخلاقياً: الشجاعة، والإقدام، والانضباط، والإحساس بالواجب، والانتماء إلى الناس، والقدرة على تحويل المكانة إلى خدمة.

وفي عيد ميلادها السادس والعشرين، تبدو سمو الأميرة سلمى جزءاً من حكاية أردنية أكبر من العمر؛ حكاية دولة تعرف كيف تحفظ ذاكرتها وهي تتطلع إلى مستقبلها، وبيت هاشمي يدرك أن قيمة التاريخ ليست في أن نسكنه، بل في أن نستحقه كل يوم.

كل عام وسمو الأميرة سلمى بخير، وكل عام وهي تحمل من جينات البطولة ما يجعل الإرث مسؤولية، والمسؤولية عملاً، والعمل انتماءً، والانتماء وعداً متجدداً للأردن ومستقبله.

Know more about this story?Send us a tip

Al Rai

AI

Ask about this report — answers stay grounded in its text.

Answers are experimental and grounded in Al Rai reporting. Each question uses 2 credits.